الطفيلي الذي يتلاعب بالدماغ… حقيقة أقرب إلى أفلام الزومبي

اكتشف العلاقة المذهلة بين طفيلي القطط والفصام! دراسات علمية تكشف كيف يمكن لكائن مجهري أن يؤثر على الصحة النفسية، وما علاقة تربية القطط بخطر الإصابة بالفصام

غالبا ما يعرف معظم الناس عن وجود داء المقوسات (Toxoplasmose) عند الحديث عن الحمل والأمومة، إذ تُعد هذه العدوى الطفيلية خطرًا حقيقيًا على المرأة الحامل، لما قد تشكله من تهديد مباشر على الجنين إذا حدثت الإصابة أثناء فترة الحمل.


أما لدى بقية فئات المجتمع، وباستثناء حالات ضعف الجهاز المناعي، فإن حمل طفيلي المقوسة الغوندية (Toxoplasma gondii) يُعد في الغالب أمرًا غير مقلق من الناحية الصحية. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو شخص واحد من كل اثنين في بعض الدول يحمل هذا الطفيلي دون أن تظهر عليه أعراض واضحة.


طفيلي عالي الكفاءة في الانتشار

تعكس هذه النسبة المرتفعة من الإصابة قدرةً مذهلة لطفيلي التوكسوبلازما على الانتقال بين الكائنات الحية. وينتمي هذا الكائن إلى الأوليات، وهي كائنات مجهرية وحيدة الخلية، ويُصنّف كـ طفيلي إجباري، أي لا يستطيع التكاثر إلا داخل كائن حي.


يمر الطفيلي بدورة حياة من مرحلتين، ويُعد القط، وخصوصًا القط المنزلي، العائل النهائي له. داخل أمعاء القط الدقيقة، يتكاثر الطفيلي وينتج أكياسًا مجهرية تُسمّى الأُوْسِيطات (Oocystes)، تُطرح مع البراز إلى البيئة الخارجية.


الإنسان: عائل وسيط للطفيلي

بعد بقائها عدة أيام في البيئة الخارجية، تصبح الأوُسيطات مُعدية. وعند ابتلاعها، يمكن للطفيلي أن يصيب عائلًا وسيطًا مثل الخنزير أو الخروف أو البقر… أو الإنسان.


بمجرد دخول الطفيلي إلى جسم الإنسان، يتكاثر لفترة قصيرة، ثم يتحول إلى حالة كامنة عبر التكيّس داخل أنسجة الدماغ أو العضلات، حيث قد يبقى خاملاً لسنوات طويلة.


طرق انتقال عدوى داء المقوسات

يمكن أن تحدث الإصابة بالتوكسوبلاسموز بعدة طرق، من أبرزها:

  • تناول الخضروات الورقية والسلطات الملوثة ببراز القطط الحاملة للطفيلي
  • تنظيف صندوق فضلات القطط دون اتخاذ إجراءات وقائية
  • تناول اللحوم غير المطهية جيدًا والتي تحتوي على أكياس الطفيلي


ولهذا السبب تُنصح النساء الحوامل باتباع احتياطات غذائية وصحية صارمة.


العلاقة بين داء المقوسات والفصام

عادةً تمر العدوى الكامنة دون أعراض واضحة، غير أن أبحاثًا علمية حديثة تشير إلى أن التوكسوبلاسموز قد يؤثر على التوازن النفسي والعقلي للإنسان.


وقد ركزت عدة فرق بحثية على دراسة العلاقة المحتملة بين الإصابة بهذا الطفيلي ومرض الفصام (Schizophrenia)، وهو أحد أخطر الاضطرابات النفسية.


تربية القطط كعامل خطر محتمل

منذ عام 1995، طرح باحثون فرضية مثيرة مفادها أن القطط المنزلية قد تنقل عاملًا ممرضًا يزيد من خطر الإصابة بالفصام.


وقد أُجريت العديد من الدراسات لاحقًا لفحص ما إذا كان العيش مع القطط يمثل عامل خطر حقيقي. وخلصت مراجعة علمية شملت 17 دراسة إلى النتيجة التالية:


بعد تعديل العوامل المصاحبة، تبيّن أن الأشخاص الذين تعرضوا للقطط لديهم خطر الإصابة بالفصام مضاعف تقريبًا مقارنة بغيرهم.


عدوى التوكسوبلاسموز والفصام: الأدلة الوبائية

ليس كل من عاش مع القطط بالضرورة مصابًا بطفيلي التوكسوبلازما. لذلك لجأت الدراسات الوبائية إلى فحص العلاقة بشكل مباشر.


وقد أظهرت مراجعة تحليلية شملت 38 دراسة أن وجود أجسام مضادة ضد الطفيلي – أي دليل على إصابة سابقة – يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالفصام بمعدل 2.73 مرة، وهو خطر مشابه تقريبًا لذلك المرتبط بتعاطي القنب.


التوقيت الزمني ودلالته العلمية

رغم أن هذه النتائج لا تثبت علاقة سببية مباشرة، فإن بعض المعطيات الزمنية تعزز هذه الفرضية.


ففي دراسة أُجريت على 180 عسكريًا سابقًا مصابين بالفصام، توفرت عينات دم مأخوذة قبل وبعد تشخيص المرض. وأظهرت التحاليل أن خطر تشخيص الفصام كان مرتفعًا بشكل خاص خلال الأشهر الستة الأولى بعد الإصابة بالتوكسوبلاسموز.


اضطرابات نفسية أخرى مرتبطة بالطفيلي

لا يقتصر تأثير التوكسوبلازما على الفصام فقط، إذ تم ربط الإصابة به أيضًا بما يلي:

  • الاضطراب ثنائي القطب
  • اضطرابات الوسواس القهري
  • الإدمان بأنواعه


كما أظهرت الدراسات أن المصابين بالطفيلي لديهم خطر أعلى للوفاة لأسباب غير طبيعية، منها:

  • زيادة بنسبة 69% في حوادث السير
  • زيادة بنسبة 39% في حالات الانتحار


كيف يؤثر طفيلي التوكسوبلازما على الدماغ؟

يبقى السؤال الأهم : كيف يمكن لطفيلي مجهري أن يؤثر على الدماغ والسلوك؟


رغم أن الآليات الدقيقة لا تزال قيد البحث، فإن الدراسات كشفت عن عدة تأثيرات بيولوجية واضحة.


تلف موضعي في الخلايا العصبية

تؤدي الأكياس الطفيلية الموجودة في الدماغ إلى حدوث مناطق نخر موضعية، يتبعها التهاب قد يُلحق الضرر بالخلايا العصبية المجاورة، مما يؤدي إلى فقدان جزء من النسيج الدماغي الوظيفي.


وقد لوحظ انخفاض في حجم المادة الرمادية لدى مرضى الفصام المصابين بالتوكسوبلاسموز مقارنة بغير المصابين.


كما أظهرت تجارب على الفئران المصابة منذ 8 أشهر:

  • عدم تماثل في النسيج الدماغي
  • توسع في البطينات الدماغية المملوءة بالسائل الدماغي الشوكي


اضطراب النواقل العصبية

عند الإصابة بالطفيلي، ينشط الجهاز المناعي لإبقائه في حالة خمول، ويُفرز مجموعة من المواد مثل:

  • السيتوكينات الالتهابية
  • الإنترفيرون-غاما
  • إنزيمات مختلفة


هذه المواد قد تُحدث خللًا في النواقل العصبية المسئولة عن التواصل بين الخلايا العصبية.


زيادة إفراز الدوبامين

يمتلك الطفيلي إنزيمًا يُسمّى تيروزين هيدروكسيلاز، وهو عنصر أساسي في تصنيع الدوبامين، أحد أهم النواقل العصبية.


كما يحفّز الطفيلي الخلايا العصبية على إفراز المزيد من الدوبامين، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوياته في الدماغ، وهو عامل معروف بارتباطه بالفصام واضطرابات السلوك.


فرط التحفيز العصبي

أظهرت دراسات على الحيوانات المصابة زيادة في مستوى الغلوتامات، وهو الناقل العصبي الاستثاري الرئيسي في الدماغ، نتيجة خلل في امتصاصه بواسطة الخلايا الداعمة (الخلايا النجمية).


كما لوحظ اضطراب في ناقل عصبي مثبِّط مهم هو GABA، خاصة في منطقة الحُصين، مما يؤدي إلى استمرار فرط تنشيط الخلايا العصبية.


الخلاصة

قد تبدو فكرة تلاعب الطفيليات بسلوك وعقول الكائنات الحية وكأنها مشهد من أفلام الخيال العلمي، لكنها في الواقع ظاهرة بيولوجية حقيقية وشائعة في الطبيعة.


لقد تطورت العديد من الطفيليات لتؤثر على أدمغة عوائلها بهدف ضمان بقائها وتكاثرها، أحيانًا على حساب صحة الكائن المصاب… والإنسان ليس استثناءً من ذلك.