وراء موضة الصيام المتقطع والأنظمة الغذائية المرتبطة بطول العمر يكمن مبدأ تدعمه الأبحاث العلمية : تقليل استهلاك الطعام يساهم في تأخير شيخوخة الخلايا. فهل أصبح عدّ السعرات الحرارية أمرًا من الماضي؟ يتردد هذا الطرح كثيرًا في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، يصرّح (إيريك جيلسون)، أستاذ في جامعة (كوت دازور) وباحث في معهد أبحاث السرطان والشيخوخة، قائلاً: "إن تقليل السعرات الحرارية هو التدخل الوحيد المثبت علميًا لتأخير ظهور الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن".
وفقًا لدراسة أمريكية نُشرت عام 2009 في مجلة (ساينس)، وشملت 76 قردًا، ظلّ 80% من القردة التي خضعت لتقليل في السعرات الحرارية على قيد الحياة بعد عشرين عامًا، مقابل 50% فقط في المجموعة الضابطة. كما أظهرت دراسات حديثة على الفئران زيادة في متوسط العمر بنسبة تتجاوز 30%. أما لدى البشر، فلا تزال الأبحاث محدودة، لكن في عام 2022، تمكن باحثون لأول مرة من إثبات أن تقليلًا معتدلًا للسعرات لمدة عامين حسّن من مؤشرات الشيخوخة.
التقليل اليومي للسعرات الحرارية : تأثيرات بيولوجية مثبتة
لقد بدأ العلماء يفهمون الأسباب الكامنة وراء ذلك. فالأكل بكميات أقل يجبر الجسم على التحول من وضع "النمو" إلى وضع "الصيانة". يوضح (إيريك جيلسون) : "عندما نكون صغارًا، نضغط باستمرار على دواسة السرعة لضمان النمو والتكاثر، وهذا يؤدي في النهاية إلى إنهاك الجسم. لذلك ينبغي الخروج من هذا النشاط المفرط لتفادي الشيخوخة". في الواقع، يعمل تقليل السعرات كنوع من التوتر الخفيف الذي "ينشّط أنظمة البقاء التي تساعد الجسم على مقاومة الإجهاد".
الحماية من الأمراض المرتبطة بالعمر
تنعكس هذه الاستجابة على كامل الجسم. ولاحظت الباحثة (بيريت غودرو)، المتخصصة في دراسة الشيخوخة بكلية الطب في مونتريال، أن "أوضح التأثيرات تظهر في المجال القلبي الأيضي". فمن خلال تحسين تنظيم الإنسولين، يؤثر تقليل السعرات على آليات تقف وراء العديد من أمراض الشيخوخة.
مواجهة الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن
كما يساهم هذا النهج في الحد من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، والذي يسميه العلماء "الالتهاب المرتبط بالشيخوخة" (Inflamm'aging). مع التقدم في العمر، يتطور نوع من الالتهاب الدائم والصامت، يعزز الإصابة بأمراض القلب، والسكري، وفقدان الكتلة العضلية، إضافة إلى الاضطرابات المعرفية. ومن الآليات الأساسية هنا "الالتهام الذاتي" (Autophagy)، التي تنشط عندما تقل المغذيات، فتبدأ الخلية في إعادة تدوير مكوناتها التالفة أو غير الضرورية، وهو بمثابة تنظيف داخلي شامل للخلايا.
كيف يمكن تقليل السعرات الحرارية؟
تبقى مسألة التطبيق لدى البشر، حيث يتم اختبارعدة استراتيجيات :
1. تناول كميات أقل من الطعام
يتمثل ذلك في تقليل السعرات اليومية بنسبة تتراوح بين 10% و15%، وهي كافية لإحداث تأثيرات بيولوجية.
2. الصيام المتقطع
يعتمد على التناوب بين فترات الأكل والصيام، مثل تناول الطعام خلال 8 ساعات يوميًا، أو تقليل السعرات بشكل كبير ليوم أو يومين أسبوعيًا.
3.النظام الغذائي المحاكي للصيام
طوره الباحث (فالتر لونغو)، ويقوم على خفض السعرات إلى ما بين 700 و1100 يوميًا لمدة خمسة أيام في الشهر، مع تقليل البروتينات والسكريات. وتشير (بيريت غودرو) إلى أن "جميع هذه الطرق تعطي نتائج متقاربة، لكن تقليل السعرات اليومية يظل الأكثر فعالية".
مخاطر الأنظمة المقيدة للسعرات الحرارية
مع ذلك، فإن الإفراط في تقليل السعرات أو تطبيقه بشكل غير مدروس قد يؤدي إلى فقدان الكتلة العضلية، ونقص العناصر الغذائية، والتعب المزمن، خاصة لدى كبار السن. لذلك لا توجد توصيات عامة تصلح للجميع، ويجب اعتماد هذا النهج بشكل فردي وتحت إشراف طبي. وتشير (غودرو) إلى أن "الاكتفاء بـ 2000 سعرة حرارية يوميًا سيكون خطوة جيدة بالفعل".
هل يمكن للقهوة أن تحمي القلب وتبطئ الشيخوخة؟
أشارت دراسة أجريت عام 2025 على أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية (وهم أكثر عرضة للشيخوخة الخلوية) إلى أن من يشربون القهوة باعتدال لديهم تيلوميرات أطول، وهي مؤشر على عمر بيولوجي أصغر. كما ربطت دراسات أخرى تناول 2 إلى 3 أكواب من القهوة يوميًا بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري، بل وقد تزيد متوسط العمر بنحو عامين وفق تحليل شامل نُشر عام 2024.
هل فقدان الكتلة العضلية أمر حتمي؟
ليس بالضرورة، لكن ابتداءً من سن الخمسين تبدأ العضلات في التراجع، وقد تتخللها الدهون والأنسجة الليفية، خاصة مع قلة الحركة. كما تنخفض القدرة القصوى لاستهلاك الأكسجين تدريجيًا، ويزداد ذلك بعد سن اليأس. ومع ذلك، يمكن إبطاء هذا التدهور بل وتحسين الأداء.
هل يُنصح بممارسة تمارين القوة؟
نعم، ولكن بذكاء! يمتلك الإنسان ثلاثة "محركات": محرك التحمل (مرتبط بالأكسجين)، المحرك "السريع" (المرتبط بالسكريات)، والمحرك "الانفجاري" المستخدم في رفع الأثقال. هذا الأخير هو محرك البقاء (للوقوف بسرعة، تجنب السقوط، حمل ثقل...)، وهو أول ما يضمر إذا لم يُستخدم.
كيف يمكن ممارسة التمارين بشكل عملي؟
يُفضّل التركيز على التمارين التي تعزز القوة السريعة مثل تمارين الضغط، والاندفاع، وتمارين التوازن، وشد الأربطة المطاطية. يُنصح بأداء 2 إلى 3 مجموعات من 6 إلى 10 تكرارات مرتين أسبوعيًا. لاحقًا يمكن استخدام أوزان معتدلة مع أداء سريع للحركة لتحسين سرعة الانقباض العضلي.
ما الاحتياطات الواجب اتخاذها؟
مع التقدم في العمر، تقل قدرة الأوتار والغضاريف على التعافي، لذلك يجب تجنب الأوزان الثقيلة، خاصة في البداية، مع الإحماء الجيد، وتعديل التمارين في حال الشعور بالألم. كما يُنصح بالاستعانة بمدرب مختص في البداية لاكتساب العادات الصحيحة.
في النهاية، الهدف ليس فقط إطالة العمر، بل الحفاظ على جودة الحياة والقدرة على الحركة والاستقلالية مع التقدم في السن.
