تأثير نظرية أينشتاين على GPS: كيف يحدد هاتفك موقعك بدقة؟

 

كيف يعمل نظام الـ GPS بالتفصيل

هل تعلم أن هاتفك الذكي، عندما يحدد موقعك بدقة لا تتجاوز بضعة أمتار، يعتمد في ذلك على نظرية علمية وضعها ألبرت أينشتاين قبل أكثر من قرن؟ قد يبدو الأمر غريبًا، لكن نظرية النسبية ليست مجرد فكرة فيزيائية تفسر أسرار الكون، بل هي جزء أساسي من التكنولوجيا التي نستخدمها يوميًا.


والأكثر إثارة للدهشة أن نظام تحديد المواقع العالمي GPS لن يتمكن من تحديد موقعك بدقة إذا لم تُؤخذ تأثيرات النسبية على الزمن في الحسبان. فمن دون هذه التصحيحات، ستتراكم الأخطاء بسرعة، وقد تصل إلى عدة كيلومترات.


لفهم السبب، علينا أن نبتعد عن سطح الأرض ونصعد إلى ارتفاع يقارب 20 ألف كيلومتر، حيث تدور الأقمار الصناعية التي يعتمد عليها نظام GPS.


كيف يحدد GPS موقعك باستخدام الأقمار الصناعية؟

تحمل أقمار GPS الصناعية ساعات ذرية فائقة الدقة، قادرة على قياس الزمن بدرجة عالية جدًا من الضبط. وتكمن فكرة عمل النظام في أن كل قمر يرسل باستمرار إشارات تتضمن معلومات عن الوقت الدقيق الذي انطلقت فيه.


عندما يستقبل هاتفك هذه الإشارات، يحسب المدة التي استغرقها كل منها للوصول إليه، ثم يستخدم هذه المدة لتقدير المسافة الفاصلة بينه وبين عدة أقمار صناعية. ومن خلال الجمع بين هذه المسافات، يستطيع النظام حساب موقعك الجغرافي.


لكن هناك مشكلة لا تبدو واضحة للوهلة الأولى: الزمن لا يمر بالمقدار نفسه على الأقمار الصناعية وفي المكان الذي نقف فيه على سطح الأرض.


وهنا تحديدًا تظهر أهمية نظريتي النسبية الخاصة والعامة اللتين وضعهما أينشتاين.


أولًا: لماذا تتأخر ساعات الأقمار الصناعية بسبب سرعتها؟

تتحرك أقمار GPS الصناعية بسرعة تقارب 14 ألف كيلومتر في الساعة. ووفقًا لنظرية النسبية الخاصة، فإن الساعة المتحركة تسجل زمنًا أقل مقارنة بساعة أخرى في إطار مرجعي تتحرك بالنسبة إليها، وفق الظروف المحددة للمقارنة.


بمعنى أبسط، تؤثر سرعة الأقمار الصناعية في معدل مرور الزمن الذي تقيسه ساعاتها مقارنة بالساعات الموجودة على الأرض.


وتؤدي هذه الظاهرة إلى تأخر ساعات الأقمار الصناعية بنحو 7 ميكروثانية يوميًا مقارنة بالساعات الموجودة على سطح الأرض، إذا أخذنا تأثير السرعة في الحسبان وحده.


قد يبدو هذا الفارق ضئيلًا للغاية، لكنه ليس التأثير الوحيد الذي يجب على المهندسين التعامل معه.


ثانيًا: كيف تجعل الجاذبية الزمن يمر بسرعة أكبر؟

تأتي المفاجأة الثانية من نظرية النسبية العامة، التي توضح أن الجاذبية تؤثر في مرور الزمن أيضًا.


فكلما كان المجال الجاذبي أقوى، مر الزمن بمعدل أبطأ مقارنة بمكان يقع في مجال جاذبي أضعف، عند المقارنة بين الساعات وفق الشروط المناسبة.


وبما أن أقمار GPS تدور على ارتفاع كبير فوق سطح الأرض، فإنها تقع في مجال جاذبي أضعف من المجال الذي تتعرض له الساعات الموجودة على سطح الأرض.


والنتيجة أن ساعات هذه الأقمار تتقدم في الزمن بدلًا من أن تتأخر، بمقدار يقارب 45 ميكروثانية يوميًا نتيجة تأثير الجاذبية وحده.


إذن، هناك تأثيران متعاكسان: سرعة الأقمار تجعل ساعاتها تتأخر، بينما ضعف الجاذبية عند ارتفاعها يجعلها تتقدم.


38 ميكروثانية فقط قد تعني خطأ يتجاوز 11 كيلومترًا!

لنعرف حجم المشكلة، يكفي إجراء عملية حسابية بسيطة.


  • تأثير السرعة: تأخر بنحو 7 ميكروثانية يوميًا.
  • تأثير الجاذبية: تقدم بنحو 45 ميكروثانية يوميًا.
  • المحصلة: تقدم صافٍ يبلغ نحو 38 ميكروثانية يوميًا.


قد تتساءل: هل يمكن لفارق زمني ضئيل للغاية أن يؤثر فعلًا في تحديد موقعك؟


الإجابة نعم، والسبب أن الإشارات التي يعتمد عليها GPS تنتقل بسرعة الضوء، التي تبلغ نحو 300 ألف كيلومتر في الثانية، أو قرابة 300 متر خلال ميكروثانية واحدة.


لذلك، فإن خطأ زمنيًا مقداره 38 ميكروثانية يقابل مسافة تزيد على 11 كيلومترًا إذا تُرجم مباشرة إلى خطأ في حساب المسافة اعتمادًا على زمن وصول الإشارة.


وهذا يعني أن إهمال تأثيرات النسبية سيؤدي إلى تدهور كبير في دقة تحديد المواقع، بدلًا من أن تحصل على موقعك الصحيح كما تتوقع من هاتفك.


كيف يتغلب المهندسون على تأثيرات النسبية؟

لحسن الحظ، لا يترك المهندسون ساعات الأقمار الصناعية تعمل من دون مراعاة هذه التأثيرات.


فقد صُممت منظومة GPS بحيث تؤخذ تأثيرات النسبية في الحسبان منذ البداية. ويُضبط معدل الساعات الذرية الموجودة على الأقمار الصناعية قبل إطلاقها لتعويض الانحراف النسبي المتوقع أثناء عملها في المدار، كما تُطبَّق تصحيحات إضافية على بيانات التوقيت والملاحة من خلال النظام الأرضي ومعالجة الإشارات.


وبفضل هذه الإجراءات، يستطيع النظام استخدام توقيت الإشارات لحساب المسافات بدقة عالية، ثم تحديد الموقع الجغرافي للمستخدم.


أينشتاين حاضر في هاتفك كل يوم

في المرة المقبلة التي تفتح فيها تطبيق Google Maps، أو تتبع مسارك أثناء القيادة، أو تشاهد طائرة تحدد موقعها بدقة، تذكر أن وراء هذه العملية البسيطة حسابات فيزيائية بالغة الدقة.


فنظريتا النسبية الخاصة والعامة ليستا مجرد أفكار نظرية لفهم الزمن والجاذبية؛ إنهما جزء من الأساس العلمي الذي يجعل نظام GPS يعمل كما ينبغي.


المفارقة المدهشة أن الهاتف الذكي يستطيع تحديد موقعك بدقة بفضل أخذ اختلاف مرور الزمن بين الأرض والأقمار الصناعية في الحسبان. إنها واحدة من الأمثلة الواضحة على كيف تتحول الأفكار العلمية العميقة إلى تقنيات نعتمد عليها كل يوم، حتى من دون أن نشعر بوجودها.